تاريخ الدير

تاريخ الدير

نبذة تاريخيّة عن دير مار أنطونيوس - قزحيّا

الموقع والتسمية

على بُعد أربعة كيلومترات من الطريق الرئيسي الذي يصل بين بلدتَي بشرّي وإهدن، في وادي قزحيّا - أحد فروع وادي قاديشا المعروف أيضًا بـ"الوادي المقدّس" - يقع دير مار أنطونيوس الكبير، أبي الرهبان. كلمة "قزحيّا" هي لفظة سريانيّة تعني "الكنز الحيّ". أُطلقت على هذا المكان إمّا لوفرة مياهه، وإمّا لكثرة النسّاك والقدّيسين الذين سكنوه فجعلوه ينبوع بركات للنفوس. وقد تشير أيضًا إلى القدّيس أنطونيوس شفيع هذا المكان، الذي أصبح يُعتبر كنزًا روحيًّا ونبعًا لا ينضب. يؤكّد هذا المعنى العجائب الكثيرة التي صنعها الله بشفاعة هذا القدّيس: شفاء المرضى عقليًّا (الذين كانوا يُدعون "مجانين")، ومنح الأولاد للعاقرات، والأهمّ من ذلك استعادة الإيمان وتقويته في القلوب. لذلك، يزور الدير أناس من مختلف المناطق - ليس مسيحيين فقط - طلبًا للبركة الإلهيّة والهداية وشفاء الجسد والروح.

القدّيس أنطونيوس

أمّا القدّيس أنطونيوس نفسه، فقد عاش في صحراء مصر، ووفقًا للسيرة التي كتبها معاصره القدّيس أثناسيوس بطريرك الإسكندريّة، توفّي في ١٧ كانون الثاني سنة ٣٥٧ عن عمر يناهز ١٠٥ سنوات، بعد حياة كرّسها للصلاة والتقشّف والجهاد الروحي، مغمورًا بمحبّة الله.

أصول الدير

دير مار أنطونيوس - قزحيّا هو من أقدم الأديرة وأعرقها، وإن كان مؤسّسه وتاريخ تأسيسه الدقيق لا يزالان مجهولَين. غير أنّه من شبه المؤكّد أنّ الرهبان سكنوا مغاور وادي قزحيّا منذ القرن الرابع مع انتشار الرهبنة في الكنيسة. وتشهد عدّة وثائق تاريخيّة على عراقة الدير وجماعته الرهبانيّة، أبرزها وثيقة من سنة ٦١٣، وقِدر نحاسيّة من سنة ١٠٠٠، ووثيقة البطريرك بطرس اللحفدي سنة ١١٥٧، وصكّ بيع من سنة ١١٧٩، وأخيرًا مرسوم بابوي من البابا إينوشنسيوس الثالث موجّه إلى البطريرك إرميا العمشيتي سنة ١٢١٥.

الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة

بعد تأسيسها في ١٠ تشرين الثاني ١٦٩٥ في دير مارت مورا قرب إهدن، توسّعت الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة تدريجيًّا. في سنة ١٧٠٨، تسلّمت دير مار أنطونيوس - قزحيّا من المطران يوحنّا حبقوق. كان الدير آنذاك مبنى صغيرًا متواضعًا يسكنه راهب وكاهن، مع كنيسة منحوتة في الصخر. بدأت الرهبانيّة بتوسيعه وتجديده، وشراء أراضٍ ليس فقط في المنطقة المحيطة، بل أيضًا على الساحل وفي أعالي الجبال. في سنة ١٧٢٣، اضطرّ الرهبان إلى إخلاء الدير بسبب صعوبات سياسيّة وزيادة الضرائب التي فرضها الحكّام. غير أنّه بعد شهر أو شهرَين، تصالح الحاكم معهم ورفع عنهم الظلم، فعادوا سالمين إلى ديرهم.

ازدهار الدير

مع نهاية القرن الثامن عشر، كبر الدير وازدادت أراضيه، وبلغ عدد الرهبان أحيانًا ١٥٠ بل ٢٠٠ راهب، تتمحور حياتهم حول الصلاة والعمل اليدوي والرسالة. لم يبقَ من الدير القديم سوى الطابق الأرضي، الذي يضمّ اليوم متحفًا، إضافةً إلى جزء صغير من الممرّ الغربي المقابل للكنيسة، المعروف بـ"ممرّ شكري" نسبةً إلى الرئيس الثاني والأربعين الأب إغناطيوس شكري، الذي شُيّد الممرّ خلال ولايته الثانية (١٨٥٣-١٨٥٦). كان الدير جوهرة أثريّة، لكن بعد تدهور بنيته، هدمت الجماعة الرهبانيّة الجزء العلوي سنة ١٩٢٦ وأعادت بناءه.

إرث الدير

أنجب هذا الدير بطاركة وأساقفة ورؤساء أديرة وقدّيسين وأبطالًا كثيرين جمعوا بين القداسة والعمل والمعرفة. كسروا صخور هذا الجبل بأيديهم، وحوّلوه إلى تربة خصبة، وأغنوا عصرهم بالإنجازات الروحيّة والعلميّة والفكريّة. ونتيجةً لذلك، أصبحوا يُعتبرون معلّمين في الدين والأدب والقراءة والزراعة والصناعة. لهذا السبب، نال الراهب لقب "معلّمي". وبالفعل، كان دير مار أنطونيوس - قزحيّا رائدًا في الطباعة والكتابة، أغنى الأمّة والكنيسة بالعلم والثقافة والفكر.